محمد حسين هيكل
202
حياة محمد ( ص )
يَحْزَنُونَ . يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ . الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ . الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) « 1 » وكذلك محت غزوة بدر الآخرة أثر أحد محوا تامّا ، ولم يبق لقريش إلا أن تنتظر عاما آخر ، رازحة تحت عار من جبنها لا يقلّ وطأة عن عار هزيمتها في بدر الأولى . غزوة ذات الرقاع وأقام محمد بالمدينة مستريحا إلى نصر اللّه إيّاه ، مطمئنا إلى ما عاد للمسلمين من هيبتهم ، حفرا دائما غدرة العدوّ ، باثّا عيونه في كل النواحي ، وإنه لكذلك إذ اتّصل به أن جماعة من غطفان بنجد يجمعون له يريدون حربه . وكانت خطّته أن يأخذ عدوّه على غرّة قبل أن يعدّ العدّة لدفعه . لذلك خرج في أربعمائة من رجاله حتى نزل ذات الرّقاع حيث اجتمع بنو محارب وبنو ثعلبة من غطفان . فلمّا رأوه طلع عليهم في عدة حربه مهاجما مساكنهم ، تفرّقوا تاركين وراءهم نساءهم ومتاعهم . واحتمل المسلمون ما استطاعوا ، وعادوا أدراجهم إلى المدينة . على أنهم خافوا رجعة العدو عليهم فتناوبوا الحراسة ليل نهار . وجعل محمد يصلّي بهم أثناء ذلك صلاة الخوف ؛ فكان جماعة منهم يظلون مستقبلين العدو مخافة لحاقه بهم في حين يصلّي الآخرون مع محمد للّه ركعتين . ولم يبد للعدو أثر وعاد النبي وأصحابه إلى المدينة بعد غيابهم خمسة عشر يوما عنها وهم بظفرهم جدّ فرحين . غزوة دومة الجندل وخرج النبي بعد قليل من ذلك إلى غزوة أخرى هي غزوة دومة الجندل . ودومة الجندل واحة على حدود ما بين الحجاز والشام ، تقع في منتصف الطريق بين البحر الأحمر وخليج فارس . ولم يقابل محمد القبائل التي أراد مقاتلتها هناك والتي كانت تغير على القوافل ؛ لأنها ما لبثت حين سمعت باسمه أن أخذها الفزع وولّت مدبرة ، وتركت للمسلمين ما احتملوا من غنائم . وأنت ترى من هذا التحديد الجغرافي لدومة الجندل مبلغ ما اتسع نفوذ محمد وأصحابه ، وما بلغ إليه سلطانهم وخوف شبه الجزيرة إيّاهم ؛ كما ترى كيف كان المسلمون يحتملون المتاعب في غزواتهم ، مستهينين بالقيظ والجدب وقلّة الماء ، مستهينين بالموت نفسه ، يحركهم إلى هذا النصر والظفر شيء واحد هو سبب قوّتهم المعنوية : الإيمان باللّه وحده لا شريك له . آن لمحمد من بعد ذلك أن يطمئن بالمدينة عدة أشهر متتابعة ، ينتظر فيها موعد قريش لعامه القادم - سنة خمس من الهجرة - ويقوم بأمر ربه ، بإتمام التنظيم الاجتماعي للجماعة الإسلامية الناشئة تنظيما كان يتناول عدة ألوف يومئذ ليتناول الملايين ومئات الملايين من بعد ذلك ، ويقوم بإتمام هذا التنظيم الاجتماعي في دقة وحسن سياسة ، يوحي إليه ربه منه ما يوحي ، ويقر هو ما يتفق مع أمر الوحي وتعاليمه ، ويضع من تفاصيل ذلك ما كان موضع التقديس من أصحابه يومئذ ، وما ظلّ من بعد ذلك قائما على الأجيال والدهور ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
--> ( 1 ) سورة آل عمران الآيات من 168 إلى 175 .